الخطوط الحمراء … بقلم مبارك سيد أحمد مامين

غير معروف
الخطوط الحمراء …
كان دخان الشواء يتصاعد والمارة كُثر أغلبهم طلبة يتجولون بشارع بيشا بأكادير المغربية ، كنت حينها ” طالب موسمي ” _ أحضر وقت الإمتحانات فقط _ أسير نحو مقهى ريان بداية صيف 2018 . شخص معتدل القامة، الشيب لم يغطي رأسه بالكامل ، يقف ويضحك بصوت مرتفع مع شخص آخر يحمل في يده كيساً بلاستيكيا ، كنت حينها أول مرة أرى فيها ” عبد الوهاب بلفقيه ” بشكل مباشر ، لقد كانت أول مرة و آخر مرة أصادفه .
عبد الوهاب بلفقيه، إسم يتكرر باستمرار كلما شتد الصراع على الكراسي الفارغة التي لا قرار لأهلها . ( سلعة بلفقيه ) هي أول كلمة ينطقها ( الدباشة ) كلما تم القبض عليهم وهم يحملون كيلغرامات القنب الهندي القادمة من شمال المغرب والتي تمر عبر واد نون ثم الصحراء الغربية المحتلة ، في اتجاهين ، جنوبا نحو الكركرات داخل الشاحنات أو على ظهور الدباشة عبر الجدار المغربي ، وبدرجة ما نحو الجزر عبر البحر .
ظهرت قوة بلفقيه الحقيقية خلال انتخابات 2016 عندما ازاح عبد الرحيم بوعيدة ، باستعمال قوة الدولة العميقة في المغرب ( مستشاري الملك ) ، وهي قوة كانت تدعمه باستمرار و توفر له الحماية اللازمة ، قبل أن يترشح في الانتخابات الأخيرة باسم حزب الأصالة و المعاصرة ، وقد لا تكون الصدفة أن مؤسس هذا الحزب هو فؤاد علي الهمة مستشار الملك وأبرز المدافعين عن تقنين القنب الهندي وفي نفس الوقت هو صديق بلفقيه .
بلفقيه راكم علاقات قوية مع أشخاص داخل القصر ، و الخطير _ بالنسبة للمخزن _ أنه شاركهم في تجارتهم السرية واعتمدوا عليه بشكل مستمر في تخزين أطنان مخدر الشيرا بمنطقة واد نون ليتم تصديرها نحو دول المنطقة ، إما عبر الكركرات أو عبر الجدار أو هما معاً ، وبذلك أصبحوا يعتمدون عليه ولكن في نفس الوقت يعتبرونه مصدر خطر بحكم إطلاعه على ما يقمون به من أعمال إجرامية ، ودور تلك الأموال في الإقتصاد المغربي و الصنادق السوداء التي تمول الأجهزة الإستخباراتية و أجهزة الدولة ، وكيف يتم غسيلها عبر بنك مخصص لذلك ، وهو بنك دار المخزن المعروف ( وفا بنك ) .
فجأة يستفيق الناس اليوم على وفاة بلفقيه بطلقات نارية على مستوى البطن ، هنا ( بدا الفار يلعب في عبي ) كما يقول المصريون ، ما جعلنا نتسائل هل العقرب المخزنية أكلت أحد صغارها ؟ . تقول المعلومات أن “تعليمات فوقية” جائت لبلفقيه قبل أيام من الآن تأمره بالإبتعاد عن التنافس على ( جهة كليميم واد نون ) ، ولكن الرجل أظهر رفضاً قاطعاً ، ما دفع بالمخزن لتوجيه أوامر صارمة للدمية عبد اللطيف وهبي أمين عام حزب الأصالة و المعاصرة لسحب التزكية من بلفقيه وهو ما حدث بالفعل ، ليقرر الأخير إعلان اعتزاله السياسة ، وقال في رسالته ( اعلن اعتزالي العمل السياسي ،وبشكل نهائي ، لاعتبارات سيعرفها الجميع ) ولنسطر تحت الكلمة الأخيرة .
انحنى بلفقيه في وجه رياح الأوامر ، وكتب ما مضمونه أن هناك أمور سيتم الكشف عنها عندما كتب في رسالته الأخيرة ( اعتبارات سيعرفها الجميع ) ، ومع ذلك بدأ بلفقيه يلعب سريا في الوقت بدل الضائع ، فوجه دعمه المالي و السلطوي لمحمد ابودرار مرشح حزب الإتحاد الإشتراكي ، وهو الحزب الذي كان ينتمي له بلفقيه سابقاً وترشح بإسمه مرات عدة ، واستطاع استقطاب عدد من ( الاشخاص و الأعيان ) وكانوا بصدد تكوين أغلبية مريحة ، وهو ما لم يحدث ومات بلفقيه صباح اليوم بعدما حاول اللعب تحت الطاولة ضداً في الأوامر .
( المخزن لا يحمي أفراده كل الزمن بل بعض الزمن فقط ليأكلهم بعد ذلك ) ، هكذا يقول لي أحد اليساريين القدامى في المغرب خلال جلسة صباحية بالدار البيضاء صيف 2016 ، يضيف اليساري شائب الرأس ( المخزن نوع من العقارب فريد ولربما غير موجود ، فإذا كان صغار العقرب يأكلونها بعدما تلدهم وتضعهم فوق ظهرها أياماً ، ففي حالة المخزن يحدث العكس ، هي عقرب تأكل صغارها كلما فكروا في أن يكبروا ) ، فهل يستفيد بعض الصحراويين من هذا الدرس ؟ .
مبارك سيد أحمد مامين

2021-09-21
bank populaire