الحرب في الصحراء الغربية تُسرع وتيرة تناقض المصالح بين أوروبا و أمريكا و المغرب جاسوس بالوكالة لصالح الأخيرة.

1٬015 مشاهدة
غير معروف

بقلم: محمد فاضل محمد سالم

إن التطورات المتسارعة و الغير مفاجئة أو بالأحرى المتوقعة التي أفرزتها عودة البوليساريو الى الحرب في الثالث عشر نوفمبر الماضي بدأت تكشف خيوط مؤامرة تصفية  القضية الصحراوية بخلق واقع سياسي وقانوني دولي جديد يؤمِّن سيادة المغرب على الأقليم. إنها التطورات التي بلغت ذروتها بالكشف عن عملية الجوسسة بالوكالة من طرف المغرب و التي وصفت بالأخطر في تاريخ الحروب السرية بين الدول سواء منها السياسية اوالإقتصادية او الأمنية نظرا لتساع رقعتها و نوعية ضحاياها التي حظيت أوروبا بحصة الأسد فيها حيث تعرض الآلاف من نشطاء المجتمع المدني إعلاميين، حقوقيين رؤساء مراكز الدراسات…الخ ويبقى الملفت للنظر هو الإستهداف المُركز الذي تعرضت له 1000 شخصية فرنسية من بينها الرئيس ماكرون و 17 وزيرا في حكومته و عدد من صناع القرارالسياسي في فرنسا دون ذكر كبار رجال الإعلام وصناع الرأي و الذي كان وراء هذا العمل الدنيئ و الفضيحة الكبرى هي الصديقة الحميمة “المملكة المغربية الشريفة” من خلال استعمال التقنية الصهيونية المسماة «بيغاسوس».

ماهو المبرر ياترى الذي دفع بالمغرب الى اختراق السيادة الفرنسية و سرقة اسرار الدولة الفرنسية ؟ ومن حدد لائحة المستهدفين بالتجسس، و على أية قاعدة تم اختيارهم؟ أليست فرنسا صديقة الملك و المدافعة عن عرشه و حامية المملكة؟ ثم على أساس مبدأ الربح و الخسارة عند المخزن الذي لا يعير إهتماما للقيم ولا للأخلاق، ماذا سيجني المغرب من خسارة فرنسا كحليف موثوق و دائم؟

هذه الأسئلة و غيرها تضعنا نشك تماما في أن المغرب بمحض إرادته قام بعملية التجسس المشينة خاصة جانبها المستهدِف لفرنسا و أوروبا بصفة عامة رغم تزوده ب “الهاكر بيغاسوس” الإسرائيلي لكن ربما و هذا هو الوارد و أكده رئيس معهد البحوث بباريس و عدد من الفرنسيين الأمنيين المتقاعدين هو أن المغرب يُخابر بالوكالة لدولة عظمى، بما يعني أنه سمسار رذيل لتلك الدولة التي حددت ألأهداف الإستراتجية الخاصة بها في عالم لازالت لم تشكل معالمه بعد. فالمخزن محترف في السمسرة و المقايضة منذ عهد السلطان العلوي عبد العزيز الذي قايض المغرب كله بدراجة هوائية و القصة معروفة.

الدولة العظمى المعنية لا يمكن الأ أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية و التي سبق لها أن قامت بالتجسس على النرويج و السويد و فرنسا و المانيا و التصنت على المستشارة الألمانيا ميركل سنة 2014 بإعتراف الإدارة الأمريكية نفسها و ذلك لعدة اسباب منها اولا أن المغرب لا يحتاج الى بذل جهد جهيد للحصول على المعلومات التي تهمه من طرف فرنسا و التي جميع رؤسائها و نخبها السياسية ينتهي بهم المقام في قصر” المامونية” بمراكش و ثانيها أن هناك صراعا حقيقيا منذ خمس سنوات بين أوروبا و أمريكا يطبعه تناقض المصالح و تنافر الإستراتجيات بين الكتلتين – و إن كان في الظاهر يمثلان جسما واحدا-  في الشمال الغربي لإفريقيا والساحل والصحراء، وبعودة البوليساريو الى الحرب في الصحراء الغربية سُرٍّعت وتيرة هذا التناقض و عُمقت الهوة بين الكتلتين بل الكل رمى بأوراقه على الطاولة، الشيء الذي أغلق مجال المناورة على المغرب و حرمه من الرقص على الحبلين كما كان يفعل بإتقان و فراهة ويأتي تصريح الترامب بخصوص “مغربية الصحراء الغربية” الذي سيبقى سيف ديموقليس في يد الرئيس الأمريكي جون بايدن على رأس الصحراويين، ليبعثرجميع الأوراق و يستنفر دول الإتحاد الأوروبي بما فيها فرنسا أمام الخطوة الأمريكية الأوحادية الجانب التي يراد منها خلق بؤرة توترجديدة في البوابة الغربية لحوض البحر الأبيض المتوسط تبتز بها أمريكا اوروبا و تعزلها عن مجالها الحيوي و تُخضع بالتالي الدول المغاربية لإملائاتها و شروطها.

إنها لعبة خطيرة يتكلف المغرب طواعية بتنفيد ادوارها وتجسيد فصولها مقتبسا التجربة الإسرائلية في شرق المتوسط و البحث بجميع الطرق عن تأكيد الولاء و الطاعة للوبي الصهيوني المتحكم في القرار الأمريكي والإستعداد لتنفيذ كل طلباته بما فيها تحويل المغرب الى دويلة شبيهة في ادوراها وسلوكاتها و حتى عقيدتها بدويلة إسرائيل و هذا ما نشاهده اليوم في أكبر عملية تجسس بالوكالة لصالح الولايات المتحدة. إن المخزن يلعب جميع اوراقه وأمريكا لاتخفي رغبتها في إخضاع منطقة شمال إفريقيا لسيطرتها كمنطقة الشرق الأوسط و يكون المغرب كاسرائيل قطب الرحاء في سياستها الجديدة في المنطقة و بتالي التحكم في مصادر الطاقة في إفريقيا ولقد سبق أن صرح رئيس اللجنة الفرعية التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي بالقول: يجب التعامل في موضوع البترول الأفريقي على أنه « أولوية بالنسبة إلى الأمن القومي الأمريكي»، وفي يناير من سنة 2002 يعلن الرئيس بوش في خطابه عزم الولايات المتحدة الأمريكية الإستغناء عن 75% من الواردات النفطية من الشرق الأوسط، والحصول عليها من مصادر بديلة بحلول العام 2025م – إن  أمريكا على البواب- كما قال يومئذ  محمود درويش وما لذلك من معنى  في المواجهة و احتدام الصراع و التي بوادره بدأت تتجلى في:

1– المناورة العسكرية البحرية الأمريكية – المغربية  في شهر ماي الماضي التي شاركت فيها حاملة الطائرات «أيزنهاور»، والعديد من المدمرات والمقاتلات في منطقة تقع على بعد 50 ميلا بحريا فقط من أرخبيل الكناري.

ورافق حاملة الطائرات عدد كبير من المدمرات والوحدات البحرية الأخرى بالإضافة إلى أسراب من المقاتلات. F-18 “Super Hornet”،وطائرات الإنذار المبكر والمقاتلات المجهزة بأنظمة الحرب الإلكترونية، وكان من بين الوحدات المشاركة المدمرة «يو إس إس بورتر» وهي سفينة صواريخ موجهة  تنتمي إلى ما يسمى بـ «الدرع المضاد للصواريخ» وتلك رسالة قوية تؤثر على خلفية المصالح الإستراتجية الأوروبية بصفة عامة و الإسبانية بصفة خاصة لغنى قاع المحيط الأطلسي، باحتياطيات الهيدروكربون، في منطقة تعتبرها كل من إسبانيا والمغرب ملكا لهما دون إعتبار للجمهورية الصحراوية ،الى جانب النفط، هناك أيضًا رواسب معدنية مهمة أخرى في المحيط. والأهم، تلك الموجودة في التيلوريوم، لأنها ناذرة جدًا وهي ضرورية لتطوير صناعة الطاقة الشمسية. كما توجد كميات كبيرة من الكوبالت، وهو مادة مهمة في صناعة الهواتف المحمولة.

2– التأييد الضمني الأمريكي للمغرب في أزمته مع إسبانيا بل في قمة الأزمة وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية يهاتف بوريطة و يتجاهل السلطات الإسبانية و تلك رسالة أخرى للإتحاد الأوروبي الذي كانت ردة فعله قوية و مفاجئة للجميع بإعلانه أن مدينتي سبتة و امليلية يشكلان حدوده الخارجية  فضلا عن تضامنه الصريح مع الحكومة الإسبانية فيما تتخذه من قرارات ضد الغزو المغربي لترابها.

3–محاولة إدارة الرئيس جو بايدن عرقلة المانيا في مشروع”نورد ستريم 2″، وهو عبارة عن خط أنابيب للغاز بطول 1200 كيلومتر تحت البحر يبدأ شمال سانت بطرسبرغ بروسيا ويمتد إلى ساحل بحر البلطيق في ألمانيا. بفرضها عقوبات أمريكية ضد الشركات المشاركة في المشروع حيز التنفيذ. وأعاقت تلك الإجراءات، التي تعتبرها ألمانيا انتهاكا للقانون الدولي،تقدم المشروع في الوقت الذي تم فيه استكمال الخط ولم يتبق منه سوى 75 كيلومترا وربما يكون وقف الإستثمارات الألمانية في المغرب وحذر التعامل مع كل المنظمات الألمانية الخاصة بالتنمية و مع السفارة و توابعها في الرباط في عملية هي الأولى من نوعها من دولة قزم تعيش على القروض و الهبات و المساعدات الدولية أمام قوة إقتصادية عظمى، يكون بإيحاء من البيت الأبيض الذي وجد الألمان يقفون في وجه استراتجيته الجيو- إقتصادية في الصحراء الغربية و المنطقة المحيطة بها بدعوة مجلس الأمن الى الإنعقاد، لأخذ موقف من تصريح الرئيس ترامب و التشبث بالقانون الدولي القاضي بحق تقرير المصير للشعب الصحراوي دون أن نبعد المصالح الأوروبية المهددة في المنطقة، بما يرجح أن المانيا و بقية الدول الأوروبية عينهم على جبل تركون أو جبل “التيلوريوم” المعدن الملعون الذي سيتحكم في تكنولوجية المستقبلية.

4− سيل لعاب الرأس مال الأمريكي بالسيطرة على الجبل تركون في حالة ما يتم للمغرب السيطرة النهائية على الصحراء الغربية، و مايمكن أن يلعبه ميناء ” الداخلة- أطلسي” الذي أُستثمرت فيه أموال باهضة  لمنافسة المواني الأوروبية على المدى المتوسط خاصة في رسو ناقلات البترول الضخمة المتوجهة الى الولايات المتحدة عبر الأطلسي، القادمة من خليج غينيا او غيره وربما أنبوب الغاز النيجري سيكون مصبه أيضا في الميناء المذكور  مما يجعل الرأس مال الأوروبي خارج العملية و محاصرته في غرب الوطني العربي كما هو الآن في شرقه الشيء الذي لن يسمح به الأوروبيون و لا نستبعد ان لإسرائيل الدور الكبير في كل هذا.

5لن تغفر الإدارة الأمريكية لأوروبا الإعتماد على الصين في الإمدادات الحيوية حيث المانيا على سبيل المثال قررت السماح لشركة هواوي بتوفير المعدات لشبكات الإتصالات الجديدة الخاصة بها و كانت فرنسا سعيدة لكونها الملتقي لكابل ” السلام” الصيني الرقمية من الصين الى أوروبا و الترحيب بمصنع هواوي على أراضيها. و قد أظهرت قمة الحلف الأطلسي الأخيرة ان عودة أمريكا لم تؤد بالضرورة الى صنع إجماع غربي على الموقف من كل من الصين و روسيا،  فجائحة كورونا أعطت درسا للدول فالمصلحة الوطنية تتقدم اليوم على المصلحة الشاملة.

أخيرا ضمن صراع النفوذ الأوروبي الأمريكي على منطقة الشمال الغربي الأفريقي والساحل و الصحراء يقفز المخزن الى الواجهة متسلقا أكتاف اسرائيل ليجعل منه «شيطانا رجيما» يدفع بدول المنطقة و شعوبها الى نار جهنم تحرق الأخضر واليابس و مستعد لتنفيذ مخططات اللوبي الصهيوني- الأمريكي في المغرب العربي و لو بالتضحية بأقرب حلفائه الأوروبيين الشيء الذي يفسر شطحاته الأخيرة بدءا بقطع العلاقة مع المانيا و الهجوم على اسبانيا و التجسس بالوكالة على الحكومة الفرنسية و ما خفى أعظم.

إننا أمام هجمة امريكية صهيونية مخزنية تتصاعد وتيرتها بسرعة لتحوٍّل المنطقة الى ساحة مفتوحة على كل الإحتمالات ولا  شك أن كل السيناريوهات أصبحت مطروحة اليوم أمام دول المنطقة وعلى الدولة الصحراوية أن لاتكون  هي الخاصرة الرخوة في الصراع.

فهل ستستفيد جبهة البوليساريو من تجربتها و تاريخها بالإلتفاتة الى قوتها الذاتية و استنفارها؟ و هل سنحسن إستغلال التناقض الأوروبي الأمريكي الحالي و نعرف كيف نوظفه لصالحنا بعد أن فتح المغرب عليه الجبهة الأوروبية؟ وهل هناك إدراك حقيقي بأن التعامل في صراعنا مع العدو بعد 13 نوفمبر الماضي ليس كما كان قبله وبالتالي، هل أعددنا العدة لمعركة شهر أكتوبر القادم في مجلس الأمن ؟

يقينا أن قيادات و كوادر جبهة البوليساريو والنخب الصحراوية عامة، لا تجهل المخاطر المحدقة بالمصير  و تدرك اليوم أهمية مراجعة الذات وحتمية تصعيد المواجهة على كل الواجهات.

و حرب التحرير تضمنها الجماهير

2021-07-27 2021-07-27
bank populaire